image
الاستاذ عبداللطيف الضويحي
باحث تنموي، خبير جوائز تنموية، و مستشار و كاتب رأي أسبوعي
الاستاذ عبداللطيف الضويحي

المدونة

الكويت.. العملاق النائم ونمور الخليج

نشأنا وترعرعنا وأجيال عربية عريضة معنا وقبلنا وأخرى بعدنا على إيقاع قضايا المسرح الكويتي والدراما الكويتية والمتابعة اللصيقة لما تكتبه الصحافة الكويتية. أما مجلة العربي فكانت بمثابة وزارة إعلام الوطن العربي ككل؛ حيث توجهت مبكراً للوعي والضمير العربي، أما برنامج (افتح يا سمسم) فكان أول وأهم برنامج تلفزيوني عربي يخاطب ويستنطق الهوية العربية، ومعه سلسلة من البرامج التي أنتجتها مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك.

أين هذا الحراك وهذه الحيوية والديناميكية العالية وزخم الإنتاجية المتقدمة في الفكر والثقافة والفنون؛ التي كانت سمة خاصة بالمجتمع والثقافة الكويتية وعلامة خاصة لطبيعة وتركيبة هذا المجتمع العربي الأصيل؟ لماذا انطفأت تلك الشعلة المتقدة منذ ستينيات القرن الماضي وبقيت جذوتها تنير العقول لعقود؟



كيف توارت هذه الثقافة الأصيلة والفكر المستنير، بينما تعاني الأمة العربية والهوية العربية والثقافة العربية الأمرّين من تمزق ومؤامرات ومخاطر وصعوبات وتحديات لم يسبق لها مثيل؟ توقعنا مع ثورة الإنترنت والتواصل الاجتماعي ومعه الرقمنة، توقعنا أن يسيطر أصحاب المحتوى الأصيل؛ مثل المحتوى الكويتي على هذا الفضاء! لكن ذلك لم يحصل! فأين المحتوى الكويتي الأصيل؟ وما الذي يحصل في الكويت؟ نعم مرّت الكويت بظروف استثنائية، لكن حجم ونوعية الحراك الفكري والثقافي والفني الذي عاشته الكويت وعايشته خلال العقود الماضية كان أكبر وأعمق من أي ظروف عابرة ولا يجوز تجاوزه وعدم استثماره كويتياً وعربياً.



لقد كان خطاب سمو أمير دولة الكويت منذ يومين مفاجئاً للبعض ومتوقَّعاً للبعض الآخر، لكن الخطاب كان شفّافاً وصريحاً ومباشراً، وهو يشخص المخاطر والمشكلات والتحديات التي مرت وتمر بها الكويت الشقيقة منذ بعض الوقت. وما المراسيم التي أصدرها سمو أمير دولة الكويت سوى ترجمة للقناعة التي وصلت لها القيادة والشعب الكويتي إلى أهمية المرحلة وحاجتها لإصلاحات ضرورية مع ما يلزمها من مفاتيح مهمة للبدء برحلة العلاج الكفيلة بإعادة البلاد لممارسة دورها المنشود. إن الفساد هو حاضنة كل المخاطر وآفة الأمن والعدل والاستقرار. فلا يمكن تشخيص المشكلات الصغيرة والكبيرة في أي مجتمع، إلا ويكون الفساد وراءها أو في جوهرها. الفساد في كل دولة ومجتمع وليس للفساد دين أو قومية أو طبقة اجتماعية، وليس الفساد محصوراً في الكويت، ابحث عن الفساد في أغلب الدول، في كافة القطاعات الحكومية وفي القطاع الخاص، لا يمكن إصلاح أي خلل في جسم أي دولة، دون معالجة الفساد ووضع اليد على مفاصل الفساد. هناك حلف دائم بين الفساد المالي والفساد الإداري، وهذا حين يستشري يقضي على الزرع والضرع.

هناك حاجة للدور الكويتي والتأثير الكويتي والثقل الكويتي؛ كويتياً، خليجياً، عربياً وعالمياً في هذه المرحلة بالذات وقبلها، وذلك لإثراء وتعظيم المحتوى الخليجي عالمياً في مجالات الطاقة والتنمية والاستثمار والابتكار والبيئة، إلى جانب أهمية الدور الكويتي عربياً في تفعيل وتمكين التجربة الثقافية الكويتية العميقة والرصيد الثقافي الكويتي العريق؛ للحفاظ على الهوية الثقافية العربية التي تمر بمنعطف سلبي خطير يتطلب تأهيل وتنضيج وتمكين مشروع ثقافي عربي نهضوي وهوية عربية عصرية تنسجم مع الريادة الثقافية الكويتية والأسبقية الفكرية التاريخية للكويت والكويتيين.

لقد عهدنا الكويت؛ شعباً وقيادة دائماً وهي تقف على رصيد كبير من التراث السياسي الذي مكّنها وسيمكّنها -بإذن الله- من عبور وتجاوز كل الصعوبات والتحديات والمخاطر. وإن الكويت، شعباً وقيادة، لديها من الحكمة والتجربة ما يكفي لإجراء العمليات الجراحية الكفيلة بإعادة الكويت أكثر تأثيراً على الصعيد الكويتي والخليجي والعربي والعالمي. وإن ممارسة الكويت لدورها الطبيعي وتوظيفها لإمكاناتها الحقيقية واستحضارها لتجربتها الثقافية التاريخية سيكون له أبلغ الأثر كويتياً وخليجياً وعربياً في زمن انقلبت فيه الوسيلة على الرسالة وأمسكت فيه التقنية بتلابيب المحتوى.

الكويت عملاق نائم، وهناك أكثر من عملاق نائم في دولنا العربية، بحاجة لأن يضع الحصان أمام العربة وليس العكس، عندئذ وحينئذ ستتصدر مجموعة دول الخليج العربية المشهد الاقتصادي العالمي بنفس الزخم والقوة التي ظهرت بها نمور آسيا وربما أكثر، وعندئذ وحينئذ يستعيد الوطن العربي هويته وعافيته

مقالات ذات صلة

متى يتحرر العالم من عُقدة إسرائيل ؟

2025-05-20

التاريخ الحديث مليء بالدروس التي تقول إن إسرائيل فكرةٌ قامت في فلسطين على الإجرام والبطش والكذب والخداع، ولم تقم أبداً على الأخلاق والقانون والإنسانية والمشتركات البشرية. مثلما أن التاريخ البعيد والمتوسط يزخر بالحوادث والأحداث التي تؤكد أن هذا الكيان لا يمكنه التعايش مع شعوب ودول العالم شرقه وغربه.

في علم النفس الاجتماعي السياسي هناك فرق بين شعور الخوف وشعور الولاء والاحترام، لكن علم النفس الاجتماعي السياسي يعلمنا أن هناك حالات يتحول معها الخوف من القوي إلى حب وهمي واحترام مزيف وهو ما يعرف باسم علاقة التماهي مع المعتدي، حيث يقوم الطرف الضعيف بدافع الخوف أو البقاء أو تقليل الأذى بإظهار الولاء للطرف القوي المستبد خشية من بطشه أو رغبة بكسب مصالح، لكن ذلك لا يدوم ولا يصمد طويلاً، وهذا ما يحكم العلاقة بين الكيان الإسرائيلي وحلفائه.

لا أعتقد أن هناك من يكنُّ أي احترام للكيان الغاصب في فلسطين، ولا أظن أن هناك من يتشرّف أن يرتبط اسمه باسم الكيان، لكن الإعلام والسياسة والأدوات القذرة قادرة على مونتاج المشهد وتحويل الصورة من الخوف إلى صورة الولاء.

إن حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع غير المسبوقة على الشعب العربي الفلسطيني في غزة لم تبق للإعلام والسياسة مجالاً للحفاظ على السردية الإسرائيلية الغربية، فلأول مرة يقف الإعلام الصهيوني العالمي والإدارة الصهيونية العالمية عاجزين عن إخفاء القُبح والقذارة العميقة لحقيقة هذا الكيان وطبيعته الاستعمارية الإمبريالية، فقد رأى العالم هذا الكيان المجرم لأول مرة بصورته الإجرامية الحقيقية رغم بقايا المكياج السياسي والإعلامي الصهيوني لهذا الكيان.

هذا كيان لا يستطيع أن يتعايش مع غيره، ولا يستطيع أن يعيش مع ذاته، فلو استحوذ على غزة والضفة الغربية والقدس واحتل فلسطين كاملة، سيبقى في حروب مستمرة مع دول الجوار لأسباب أيديولوجية قائمة على عقدة التفوق التي لا يختلف فيها اليمين عن اليسار.

الغارات الخاطفة التي يقوم بها هذا الكيان في داخل فلسطين وخارجها تكشف محاولات الكيان ترميم صورة جيشه المهزوم التي يريد تغييرها لتنسجم مع عقدة تفوقه، فهو يضرب الضفة الغربية، لفشله في غزة، وهو يجوّع سكان القطاع المدنيين بالكامل ويفجّر المدارس والمشفيات ويقتل الصحافيين وعمال الإغاثة وكلها أهداف محرّمة في الحروب، ناهيك عن الحروب تحت الاحتلال، تعويضاً عن فشله بإخراج الأسرى الصهاينة.

كما أن هذا الكيان المجرم يضرب في لبنان وفي سوريا، لفشله في تحقيق أهدافه المعلنة في الداخل الفلسطيني، محاولاً رفع معنويات «الجيش الأقوى في المنطقة»، واستعادة صورة الكيان القادر على حماية ورعاية مصالح الاستعمار الغربي في المنطقة العربية وأفريقيا انطلاقا من عقدة التفوق.

هناك جهل عميق للأسف لدى الكثير من دول وشعوب العالم بفكرة هذا الكيان ومستهدفاته وعلاقاته بالاستعمار الغربي وبكل الحركات العالمية الفاشية والنازية والمهددة للبشرية والأمن والسلم الدوليين.

كما أن هناك جهلاً عميقاً بعمق علاقات ونفوذ هذا الكيان ببعض العواصم والشركات والمدارس الفكرية، وجهلاً مركباً بالفكر الصهيوني وعمله الدؤوب والمستمر على إنتاج وتصدير الأزمات في الدول العربية والأفريقية والعالم.

على العالم أن يفهم -قبل فوات الأوان- أن الخطر الذي يمثله الكيان الغاصب في فلسطين لا يهدد فلسطين والدول العربية والأفريقية والعالم الإسلامي فقط، فعقدة التفوق لدى هذا الكيان ستجعل من أوروبا هدفاً يوماً ما لطموحات هذا الكيان وانتقامه منها.

على الأوروبيين أن يقلقوا من هذا الكيان، وعليهم ألا يركنوا إلى فكرة أن هذا الكيان سيبقى ممتناً للغرب على منحه فلسطين على حساب أهلها وسكانها الأصليين، وعليهم أن ينسوا أن هذا الكيان يقيم وزناً أو احتراماً لهم، بل إنهم ليسوا في مأمنٍ منه، بسبب عقدة التفوق لديه، وبسبب رغبة الانتقام من الأوروبيين، فهذا الكيان لن يتردد أن يفعل مع الأوروبيين، الذين طردوا مكوناته عشرات المرات عبر التاريخ، أفضع مما فعله مع أهل غزة بما في ذلك السلاح النووي، فهو كيان بلا أخلاق وبلا قيم وبلا إنسانية.

على العالم أن يستيقظ ويعيد هذا الكيان الغاصب لنقطة الصفر قبل أن يستفحل معه مرض وعقدة التفوق العنصري فيثأر من الأوروبيين إرضاءً لعقدة التفوق لديه، بدعم ربما وتمويل من الضفة الأخرى من الأطلسي.

الصراع الهندي الباكستاني وتركة المستعمر البريطاني

2025-05-06

شهدت العلاقات بين الهند وباكستان مؤخراً توتراً وتصعيداً خطيراً ينذر بمواجهة عسكرية بين الجارين النوويين على خلفية أزمة كشمير؛ التي نشأت بسبب تقسيم المستعمر البريطاني شبه القارة الهندية سنة 1947، بين الهند وباكستان على أساس ديني، وبقي الخلاف بين الطرفين حول كشمير ذات الغالبية المسلمة، لكن بسبب المهراجا (غير المسلم) الذي يحكم إقليم كشمير طلب انضمام كشمير إلى الهند.

هذه ليست المرة الأولى التي تتواجه بها الهند وباكستان. فقد نشبت بين البلدين حرب 1947- 1948 حول كشمير بعد انضمام مهراجا كشمير إلى الهند خلافاً لرغبة سكان كشمير وغالبيتهم من المسلمين، كما نشبت حرب 1965 حول كشمير كذلك، ثم نشبت حرب 1971 وهذه بسبب دعم الهند لحركة استقلال بنغلاديش أو ما كان يعرف باسم باكستان الشرقية، ثم حرب 1999، وبقيت الاشتباكات الحدودية مستمرة منذ سنة 2000 إلى الآن. لكن التوتر الحالي يكتسب خطورة مختلفة هذه المرة؛ بسبب وتيرة وحدة التوتر بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، الذي أجج الكثير من الخلافات في العالم.

الاستعمار البريطاني تسبب بالكثير من المآسي في مناطق العالم وخلّف الكثير من بؤر التوتر والصراعات داخل الدول وبين الدول بعضها ببعض، ومن هذه الصراعات: أزمة دولة فلسطين والناجم عن وعد بلفور البريطاني ودعم بريطانيا لهجرة الصهاينة ليحتلوا فلسطين والتسبب بتشريد ملايين من الشعب الفلسطيني حتى اليوم، كما تسبب الاستعمار البريطاني بتقسيم السودان إلى شمال السودان وجنوب السودان، الصراع في نيجيريا بين الشمال والجنوب، الصراع في زيمبابوي وجنوب أفريقيا، إيرلندا الشمالية، الحدود غير المستقرة بين بورما- مينمار، أفغانستان- باكستان، الأزمة القبرصية، بالإضافة لأزمة كشمير.

إن بقاء هذه الأزمات إلى الآن وتفجر بؤر الصراع التي خلفها المستعمر قصداً من حين لآخر، يعني بوضوح أن الاستعمار الغربي لا يزال يتحكم بمستعمراته السابقة ولا يزال يعوق تنميتها وينتهك سيادتها. بل إن المستعمر الغربي هو من يتحكم بالمؤسسات الدولية ويعوقها عن ممارسة دورها في حفظ السلام والأمن الدوليين، مثلما يفعله البريطانيون والأمريكيون في مجلس الأمن الدولي من حماية لمشروعهم الاستعماري الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية، وما ينطوي عليه هذا المشروع من حرب إبادة وتطهير عرقي وتهجير ضد السكان الأصليين في فلسطين والدول العربية ومنح أرض فلسطين للمرتزقة والعصابات الصهيونية المجرمة، إلى جانب ما قامت به الدول الاستعمارية الغربية من استغلال ونهب لموارد الدول التي وقع عليها الاستعمار.

لا بد من تشكيل تحالف يضم الدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني خاصة والاستعمار الغربي عموماً، والقيام بعمل منظم ومدروس ومستمر لملاحقة بريطانيا والدول الاستعمارية الغربية قانونياً وسياسياً وإعلامياً واقتصادياً وتجارياً لإرغام هذه الدول على الاعتراف بكل الجرائم التي ارتكبوها ولا يزالون يرتكبونها بحق الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار وإرغامهم على دفع كامل التعويضات لكل الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والغربي.

يجب أن تدفع بريطانيا وفرنسا وغيرهما من المستعمرين الأوروبيين ثمن جرائمهم ضد شعوب ودول العالم الثالث، ولا بد أن يرتدعوا عن الاستمرار بممارسة دورهم الاستعماري الخفي تحت غطاء شركات نهب الموارد في الدول الأفريقية.

يشهد العالم اليوم تحولاً كبيراً في موازين القوى، ويشهد تراجعاً لقوة وهيمنة ونفوذ القطب الواحد، مقابل صعود قوى جديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وهذا يفتح الباب على الاقتصاص من المستعمرين الغربيين وقد يكون ظرفاً مؤاتياً لتأسيس منظمة عالمية تقوم على استعادة حقوق الدول والشعوب التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والفرنسي والغربي وتسبب بنهب موارد تلك الدول وتهجير سكانها وتدمير حضاراتها وتمزيق كياناتها على يد المستعمر البريطاني والغربي عموماً. يجب أن تنصاع بريطانيا والدول الغربية لمطالب الدول المتضررة منها عبر عقود من الزمن، ويجب أن تدفع الدول المستعمرة كامل التعويضات بالقانون وبالأدوات التي تخلص إليها المنظمة العالمية المنتظرة المناط بها ملاحقة المستعمرين للاعتراف بجرائم الاستعمار في فلسطين وفي كشمير وفي أفريقيا وفي كل مكان.

التعليقات ()

اضف تعليق